محمد بن جرير الطبري

204

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الذي نهاكم عنه ، بأن تميلوا لإحداهن على الأخرى ، فتظلموها حقها مما أوجبها الله له عليكم . فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً يقول : فإن الله يستر عليكم ما سلف منكم من ميلكم وجوركم عليهن قبل ذلك بتركه عقوبتكم عليه ، ويغطي ذلك عليكم بعفوه عنكم ما مضى منكم في ذلك قبل . رَحِيماً يقول : وكان رحيما بكم إذا تاب عليكم ، فقبل توبتكم . الذي سلف منكم من جوركم في ذلك عليهن ، وفي ترخيصه لكم الصلح بينكم وبينهن ، بصفحهن عن حقوقهن لكم من القسم على أن يطلقن . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ يعني بذلك جل ثناؤه : فإن أبت المرأة التي قد نشز عليها زوجها ، أو أعرض عنها بالميل منه إلى ضرتها لجمالها أو شبابها ، أو غير ذلك مما تميل النفوس به إليها الصلح ، لصفحها لزوجها عن يومها وليلتها ، وطلبت حقها منه من القسم والنفقة وما أوجب الله لها عليه ، وأتى الزوج الأخذ عليها بالإحسان الذي ندبه الله إليه بقوله : وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً وإلحاقها في القسم لها والنفقة والعشرة بالتي هو إليها ، مائل ، فتفرقا بطلاق الزوج إياها ؛ يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ يقول يغن الله الزوج والمرأة المطلقة من سعة فضله ، أما هذه فبزوج هو أصلح لها من المطلق الأول ، أو برزق واسع وعصمة ؛ وأما هذا فبرزق واسع وزوجة هي أصلح له من المطلقة أو عفة . وَكانَ اللَّهُ واسِعاً يعني : وكان الله واسعا لهما في رزقه إياهما وغيرهما من خلقه . حَكِيماً فيما قضى بينه وبينها من الفرقة والطلاق ، وسائر المعاني التي عرفناها من الحكم بينهما في هذه الآيات وغيرها وفي غير ذلك من أحكامه وتدبيره وقضاياه في خلقه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ قال : الطلاق يغني الله كلا من سعته . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ . . . غَنِيًّا حَمِيداً يعني بذلك جل ثناؤه : ولله ملك جميع ما حوته السماوات السبع والأرضون السبع من الأشياء كلها . وإنما ذكر جل ثناؤه بعقب ذلك قوله : وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ تنبيها منه خلقه على موضع الرغبة عند فراق أحدهم زوجته ، ليفزعوا إليه عند الجزع من الحاجة والفاقة والوحشة بفراق سكنه وزوجته ، وتذكيرا منه له أنه الذي له الأشياء كلها وأن من كان له ملك جميع الأشياء فغير متعذر عليه أن يغنيه ، وكل ذي فاقة وحاجة ، ويؤنس كل ذي وحشة . ثم رجع جل ثناؤه إلى عذل من سعى في أمر بني أبيرق وتوبيخهم ووعيد من فعل ما فعل المرتد منهم ، فقال : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ يقول : ولقد أمرنا أهل الكتاب وهم أهل التوراة والإنجيل وإياكم ، يقول : وأمرناكم وقلنا لكم ولهم : اتَّقُوا اللَّهَ يقول : احذروا أن تعصوه وتخالفوا أمره ونهيه ، وَإِنْ تَكْفُرُوا يقول : وإن تجحدوا وصيته إياكم أيها المؤمنون فتخالفوها ، فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يقول : فإنكم لا تضرون بخلافكم وصيته غير أنفسكم ، ولا تعدون في كفركم ذلك أن تكونوا أمثال اليهود والنصارى في نزول عقوبته بكم وحلول غضبه عليكم كما حل بهم ، إذ بدلوا عهده ونقضوا ميثاقه ، فغير بهم ما كانوا فيه من حض العيش وأمن السرب ، وجعل منهم القردة والخنازير ؛ وذلك أن له ملك جميع ما حوته السماوات والأرض لا يمتنع عليه شيء أراده بجميعه وبشيء منه من إعزاز من أراد إعزازه وإذلال من أراد إذلاله وغير ذلك من الأمور كلها ، لأن الخلق خلقه بهم إليه الفاقة والحاجة ،